((حياة جديدة ))
قصة قصيرة يوسف عبود جويعد
قالوا لاتركب الامواج الخطرة . لاتغامر . الطريق يستغرق ليلة كاملة حتى بزوغ الفجر وهو طريق لاتعرف بوائقه . لكنني قررت ان اخترق هذه الاجواء وادخل في خضم ليل دامس الظلام خال من القمر ووسط غابة كثيفة شائكة ويجب ان أسير يوماً كاملاً حتى اصل ناصية الشارع . وما ان توغلت في الغابة حتى بدأ الخوف ينساب الى هواجس النفس وصارت الافكار غريبة موحشة . اشعلت سيكارتي . لا ارى سوى وميضها ,وصمت يلف المكان . سكون الى حد البكاء . لاشيء سوى الادغال والاشجار والسواقي الصغيرة وانا اسير اتعثر . ثم اقوم منتصباً لاواصل المسير . ودائماً يقتل هذا السكون اصوات الكلاب وهي تنبح وانا احث السير والاصوات تقترب .نباح لمجموعة كبيرة من الكلاب . أظنها تقترب مني . اسمع حثيث اقدامها وحتى لهاثها ونباحها . وفجأة صارت امامي . نباح قتل كل السكون وهجوم غريب نحوي وانا اعزل لااحمل أي شيء ادافع فيه عن نفسي اذا ما هجمت هذه الجموع الكبيرة من الكلاب وماهي الا لحظات حتى صرت وسطهم .نباح من كل مكان وهجوم من كل الجهات . احسست بالشبه الكبير بينهن وبين هؤلاء الذين لايرحمون احد ويهجمون بكل قسوة وعدائية .صارت على شكل دائرة والتفت حولي بانياب حادة وانفاس حارة . اقتربت الدائرة اكثر . وانا الملم شتات نفسي واحافظ على البقية الباقية من الشجاعة . كيف اواجههم ؟. هل اهجم ؟ . ام أهرب ؟ . ماذا افعل ؟ . تذكرت ان ابي رحمه الله قال لي ذات يوم اذا هجم عليك كلب فلا تهرب لان الهروب سيشجعه ويدفعه الى اللحاق بك وتزداد عظته قوة . عليك ان تقف هادئاً . او تجلس ساكناً بدون أي حركة . وسرعان مانفذت ذلك . جلست القرفصاء ووضعت يداي على ركبتي وبقيت بدون حركة . اقتربت الكلاب نحوي من كل ناحية . خلف ظهري وامامي ومن جانبي ووراءهم مجموعة اخرى تنتظر دورها . الا انني بقيت صامتاً ساكناً . نبحت الكلاب واقترب الى درجة اني شممت انفاسها ورايت انيابها الحادة الا ان هذا السكون والخوف الذي كان ينتابني جعل الكلاب تمل . اظنها تحتاج الى حركة لكي تهجم وها انا ساكناً بدون حركة . انسحبت المجموعة الاولى وتلتها الاخرى الى ان انسحب اخر الكلاب . بقيت في مكاني فترة وجيزة ثم واصلت السير وانا متمسك بالهدوء لكي لا ينتبه علي احد من الكلاب . توغلت في الظلام الى درجة اني لم اعد ارى أي شيء حتى يداي لم اعد اراها . ظلام في كل مكان وافكار مشحونة وذكريات تمر . علي ان اسلي نفسي في هذا الطريق الموحش الصعب . تذكرت ماذا يحدث للعالم . صار السلام والامان والطمئنينة حلم من احلامنا لا يتحقق والقتال والسلاح والحرب يملأ اركان الدنيا وهذا المخلوق الذي منحه الله العقل انحرف تفكيره وصار يفكر بالقتال والحرب والدمار وترك السلام والامن . سرت في طريق منبسط . وفجأة احسست بأني ادوس على شيء غريب . اه انه لغم . اظن ذلك ؟. فهذه الحروب التي دارت في البلاد زرعت الارض الغاماً . بقيت واقفاً اذا رفعت قدمي فسينفجر . فكرت بكيفية الخلاص فلم اجد الا ان ابادر وارفع قدمي وليحدث مايحدث . رفعت قدمي فلم اسمع صوت انفجار . دفعني الفضول لمعرفة ماذا كان تحت قدمي . فحفرت واكتشفت انها علبة من علب المشروبات الغازية المعدنية .. قطعت نصف الطريق ونصف من الليل وانا احث الخطى نحوالنهايات . لازال الظلام يلفني والسواد يحيط المكان ولا بصيص امل او ضوء اراه فترتاح سريرة نفسي .اختراق هذا الليل الحالك والغابة الكثيفة . لم امر في حياتي في موقف كهذا . بل انني لو حلمت بمكان كهذا لفززت مذعوراً . اكتشفت ان الانسان هو الذي يختار طريقه . يمكن ان يسير في طريق منير زاه تملأ ه الالوان . او يسير في طريق حالك السواد كما يحدث لي الان لقد اخترقت طريقاً اسود . وعلي ان اصل الى الضياء الى الامل . الى الحياة . الى اصوات الناس وصلاتهم وصيامهم واكلهم وشربهم واسواقهم وغذائهم وبكاءهم وضحكهم . هجوم اخر من الكلاب اكثر شراسة من ذي قبل الا انني عرفت سر المقاومة ساقاومهم بالسكوت والسكون وهكذا فعلت فانسحبوا خائبين . تذكرت عبارة تقول يمضون ونبقى . نعم يمضون ونبقى . نفحات من السحر . من بواطن الليل . ومن سحر الله في الارض . وهو لمن يريد ان يقترب من الله . ولمن يريد ان يقرأ . ولمن يريد ان يكتب .هو سكون يشحن الذاكرة فتمتلأ بالافكار . التعب نال مني وقدماي مثقلتان وانفاسي لاهثة وقلبي يدق .ولازلت اخوض خضام الظلمة ولازال السواد يحيطني من كل مكان ولازلت مرغماً في ان اسير وحدي في طريق لايطأه انسان في الليل
- اسمع طريقك شائك وخطر
- لا احد يستطيع ان يسير ليلآً في هذا الطريق
- انتبه الى نفسك ستمر في دروب لم تطأها قدماك من قبل
- ساجرب وليكن مايكون
هذه ماقلته وانا اودع اصدقائي في لقاء اخير فهذا الطريق هو الفاصل بيني وبين حياة جديدة . وهي مغامرتي الاخيرة
لاحت قوابيس من الضوء هناك في الافق البعيد وهي التي تمدني بالامل . ستشرق الشمس في صباح اخر . وستنجلي هذه الظلمة فهي لن تدوم . حتماً ستنجلي . وينتهي هذا الليل الاسود بكل مخاطره واوجاعه والامه واحزانه هو ليل يخيم فوق رأسي كما هو ذاته يخيم فوق رؤوس ابناء بلدي . ليل سيزول . رايت ضوء لمسكن احد المزارعين تشع انواره . شعرت بالطانينة والامان .شعرت بالفرح الغامر . شعرت بأنني تخطيت الاخطار . لازال الضوء امامي وانا اسير نحوه بكل همة ونشاط وسريرة نفسي تقول لابد لليل ان ينجلي . كلب وحيد هائج هجم علي . الا انني عندما رايت الاضواء واقتربت من نهاية الظلام احسست بالخوف وظننت ان هذا الكلب سيعظني حتماً ولم اعد امتلك صبراً لمقاومته فررت هارباً بكل قوة والكلب يركض ورائي بسرعة فائقة . ونباحه قتل كل السكون صرخت
- يا أهل الدار النجدة
خرج احد المزارعين وهوينتخي
- ابشر حياك
- الكلاب .انقذوني من الكلاب
كان يحمل بيده عصاً غليظة .وسرعان ما هجم على الكلب فولى الكلب هارباً . وطلب مني ان اتفضل الى المنزل للقيام بواجبات الضيافة الا انني شكرته ومضيت احث قدماي نحو الشروق .نحو الضياء . نحو صباح اخر . اشرقت الشمس وانا على ناصية الطريق .
