GuidePedia

(( بيوت من الطين  )) 

 قصة قصيرة 

  يوسف عبود جويعد

بدأت الغيوم تتجمع . تقترب من بعضها . تتلاصق .غطت اشعة الشمس . صار لونها داكن يميل الى السواد . بعدها ازدادت العتمة . وبدأ صوت الرعد يصم الاذان والصواعق عالية جداً والوميض بخطف الابصار . ضياء .ضياء .ثم هطل المطر تدريجياً .بدأ خفيفاً ثم ازداد غزارة الى حد انني  حاولت أن  اصل الى البيت بشق الانفس . تبللت ملابسي . وغرست قدماي في الوحل . بيوت مبنية من الصفيح وسقوفها من صفائح        ( الجينكو) . هبت العواصف لتصاحب المطر .هواء ومياه الامطار تلفح الوجوه . صراخ من هنا وهناك . بدأ سقف بيت ابو تحسين يهتز . ثم تحرك فطارت صفائح ( الجينكو) . صعد بصعوبة بالغة فوق سطح البيت محاولاً السيطرة على البقية الباقية من السطح الا انها تطايرت كالورق . وانكشف البيت بدون سطح . ابتلت العائلة بماء المطر وخرجت ام تحسين تحمل طفلتها الرضيعة وبقية الاطفال وراءها . الى اين ؟ . اين يذهبون . لا ماوى . ترك بيته تتلاعب فيه الرياح وتغزوه مياه المطر وهرول ليبحث عن ملاذ امن . قالت ام تحسين

-          الى اين سنذهب

قال ابو تحسين بصوت عال بسبب المطر الغزير والعواصف والرعد والبرق

-          سنذهب الى بيت اخي الى ان تستقر الاوضاع

ثم  نظر الى السماء وقد ازداد ت غزارة المطر وقال

-          هيا اسرعي قبل ان ينقطع الطريق

نظر الى بيته بأساً وحزن وقد تأثر واصبح حطام تذروه الرياح . نظر الى اسرته المكونة من ثمانية افراد وقد ابتلت ملابسهم وهم يرتعدون برداً

شاهد الناس في هذا الحي البائس الفقير . منهم من ينزح الماء باواني  المطبخ من غرف البيت . واخر يشد اعمدة البيت . واخر يلوذ باحد الغرف التي لم ينفذ الماء  من سقفها . واخر خرج باسرته هارباً  . وعائلة بكاملها لايرى الا عيونهم وقد غطاهم الطين بسبب محاولتهم ايقاف سيل الماء الذي تسرب اليهم من السقوف ومن الفتحات الموجودة في بيتهم . مطر غزير وعواصف ورعد وبرق . والام وحزن . غطى  الماء الشوارع الطينية . وبدأ المطر يزداد . وكلما ازداد المطر قلت مقاومة البيوت . بيوت وقعت سقوفها . بيوت وقع سياجها . بيوت غرقت بالماء . الناس يهرولون بكل الاتجاهات هاربين من مياه الامطار . لم اكن اقل حظاً من هؤلاء الناس فقد وجدت بيتي اشبه بصفيحة مملوءة بالماء ومثقوبة عدة ثقوب والماء ينزل من كل الاتجاهات وقد قامت زوجتي بنقل اواني المطبخ لتضعها امام مصب المياه . الاواني جميعها لم تكفي ولازالت هنالك ثقوب يسيل الماء منها الى ارض الغرف  . تبلل الخبز . الخضار تبلل بمياه المطر وبراز القطط النازل من فوق السطح .شممت رائحته وانا اتذوقه .

-          ماذا نفعل

-          اصبري يا امرأة

-          كيف.  سنغرق ؟

-          لا عليك ساحاول قدر المستطاع ايقاف هذا السيل الجارف

-          مالعمل

-          ساصعد الى السطح وارتب قطعة النايلون

صعدت الى السطح .  الهواء البارد يصك اسناني برداً . المطر الغزير يغسلني كالحمام . والرعد والبرق يصم اذاني . وضوء وميض البرق يحجب عني  الرؤيا بوضوح . تشبثت من السياج ثم الى السطح . وقفت مواجهاً العواصف وزخات المطر . امسكت طرف قطعة النايلون الكبيرة من احد الاطراف وحاولت تخليصها من الطين .ثم ذهبت الى الطرف الثاني وفعلت كما فعلت بالاولى حتى انهيت الاطراف الاربعة . عندها توسط الماء بشكل غزير  الى وسط قطعة النايلون . سحبتها من طرفيها فنزل الماء يشبه شلال غزير . ملأ ارض الزقاق . خرج جاري بصرخ

-          ماذا فعلت دخل الماء الى بيتي

-          اصبر يا أخي

نزلت ودخلت وانا اتفقد اسرتي . يرتجفون من البرد . بناتي وابنائي يصطكون من البرد . ملابسهم مبللة . زوجتي مبللة والطين يلطخ وجهها وملابسها . حان وقت تناول الطعام . فتشنا عن أي  شيء ممكن ان يكون وجبة طعام . لكننا لم نجد شيء ممكن ان يصلح ان يكون طعام لنا بسبب تلوث الغذاء برائحة براز القطط . ازداد الماء في الطرقات والشوارع العامة والازقة . ولازال المطر ينزل بشكل غزير . سيل الماء بدا يدخل البيوت . طافت الاواني والاشياء الخفيفة فوق سطح الماء في جميع البيوت . لا احد يستطيع ان يتخلص من الماء من داخل البيت .لان سيل الماء يدخل اليه . كانت هناك زاوية صغيرة جافة في احد الغرف . تجمعنا بها وجلسنا القرفصاء ونحن نرتجف من شدة البرد . احسست  ان اطفالي بدأ البرد يتسلل الى داخل اجسادهم الضعيفة . نظرت اليهم وانا اتمنى ان اكون غطاءاً دافئاً لهم لكن لا باليد حيلة والامر يفوق ارادتي . كما يقولون الحاجة ام الاختراع .فقد كنت قد شاهدت احد الاصدقاء وهو ينتزع مضخة الماء من المبردة وبستخدمها لتجفيف الماء من البيت . وسرعان ماقمت بذلك و بصوندة  طويلة وبعيدة استطعت ان اتخلص من الماء . لكن المطر لازال غزيراً . ولازال الرعد والبرق يضيء الدنيا . ولازالت العواصف تلاعب اطراف الاشجار . لا احد يستطيع ان يعرف الوقت بسبب الغيوم والعتمة . لا اظن ان احد في هذا الحي البائس الفقير مرتاح الجميع يعاني مشقة ما حصل لبيته . قالت زوجتي

-          ابنتك تشكو الحمى

-          من

-          مريم

-          هل حرارتها مرتفعة

-          مرتفعة جداً

-          انها ترتجف من الحمى

لمست جبينها فوجدته حار كالنار . وهي ترتجف . قلت

-          لم يبق لدينا خافض للحرارة

-          لا

-          كمامات الى ان نجد طريقة

خرجت انا وزوجتي وسط خضم جومن العواصف والرعد والبرق والمطر .ما ان خرجنا من عتبة باب البيت حتى وجدنا مشكلة كبيرة . كل الطرق مغمورة بالمياه . مشينا حفاة وقد غطى اكثر من ربع جسمينا بالماء . نبحث عن احد المضمدين للحصول على علاج لابنتي . عدنا بعد ان حصلنا على العلاج . انقطع المطر وهدأت اصوات الرعد والبرق . وخفت العواصف . نظرت الى الحي فوجدته غارق في بحيرة من المياه وكانه جزيرة وسط النهر . صراخ من بيت ابو خالد وعويل وبكاء نساء . اقتربنا لنستطلع الامر فعرفنا ان ابو خالد قد فارق الحياة بسبب صعقة من التيار الكهربائي . اه هذا الرجل غريب الاطوار فهو دائماً يهب منتخياً لمساعدة الناس . وقد حصل تماس في بيت ام طارق فهب لتصليح الخلل وقد صعقه التيار الكهربائي وسقط بالماء الامر الذي زاد قوة الصعقة الكهربائية فمات ابو خالد . وعندما دخلنا وجدنا البيت غارقاً بالماء والعائلة تصرخ وتبكي . كان منظراً مؤلماً جداً . رجعنا الى البيت . وتحولنا الى خلية من العمل لتجفيف الماء . اشعلنا النار ودب الدفء ارجاء البيت

وخرجت ابحث عن طريق للحصول على الخبز وشيء تناوله . وهكذا تمر الايام في هذه الاحياء الفقيرة . الجوع والعوز والفقر ينخر عظامهم ولااحد ينظر اليهم . المطر هذا الخير الذي يصلون من اجله صار مصدر عناء واذية لهم . 

 
Top