(( النصيب )) قصة قصيرة
يوسف عبود جويعد
اعددت الشاي صباحاً وسط دخول الوافدين من الموظفين الى الادارة العامة . ليتوزعوا في غرف لممر طويل . هذه الغرف هي اقسام الادارة وتحايا الصباح تلقى
- صباح الخير
- مرجباً
- السلام عليكم
القسم التجاري هو المكان الذي اعمل فيه منذ اكثر من عشرين سنة . زملاء كانوا شباباً يافعين الآن كبروا وملأ الشيب رؤوسهم . فهذا عصام كان نشطاً جداً فأذابه السكر .وهذا كمال كان دؤوب الحركة وقد ضعف قلبه وقد اصيب بجلطة لمرتين . وهذا محمود صديق قديم بنشاطه ومثابرته استطاع ان يحصل على منصب لمدير شعبة المشتريات . وهناك موظفات وموطفين جدد . وتداول الاوراق بين اروقة الممر . الى الطباعة . الى الصادرة . الى التواقيع . الى الارشيف . وجوه باسمة مشرقة لزميلات انيقات يفوح العطر منهن . وجوه لزميلات متعبات اقض مضجعهن العمل وسارت بهن السنين تطوي طريق العمر ليجدن انفسهم بلا زوج وقد فاتهن القطار وبقين عوانس ربما ذات يوم يطرق ابوابهن الحظ . منهن من تجاوزت الخمسين عاماً واخريات وصلن الاربعين . واخريات في مقتبل العمر . وهناك من جاءن ليبدأن مشوارهن عسى ان لايكون حظهن مثل الباقيات .تكتظ هذه الادارة بجمع غفير من الموظفين . هم تلك الموظفات وشغلهن الشاغل ان يجدن ضالتهن المنشودة ذات يوم وسط زحمة العمل . بينهن حديث يدور عن مواضيع تتعلق بالزواج . هذه خطبت . تلك تزوجت . تلك فسخت خطوبتها . وهذه تحب . وذاك معجب بتلك . يحدث احياناً ان تدور في اروقة الادارة قصة حب جديدة تنتهي بالزواج . مشيت الى اخر الممر لتوقيع مذكرة تتعلق بجلب الوقود . كانت هيام التي بلغت من العمر خمسة واربعون عاماً وتعرضت لمرض شدبد اخذ من صحتها وجمالها الكثير فصارت كانها وردة ذابلة تجر خطاها بعناء كبير . اتذكرها جيداً كانت متألقة وجميلة جداً وشعرها ناعماً كالحرير وجهها مشرق . حتى انني اكاد اجزم بانها اجمل موظفات قسم الرقابة . عندما دخلت قطعن حديثهن لتأخذ اوراقي وتقوم بتدقيقها . انا اعرف جيداً ماذا كان يدور بينهن من حديث الا انني فضلت ان اتجاهل ذلك . كانت تختلف عن بقية الموظفات بأنها اذا وضعت ورقة لتدقيقها تقلب صفحاتها ثم تنظر لتتحدث مع زميلتها التي على يمينها . ثم تقلب الاوراق ثانية بدون تركيز لتحدث مع الموظفة التي على يسارها .ثم تمسك القلم الاحمر للتوقع فتعيده بدون توقيع لتستمع الى حديث احداهن .وهكذا تظل تقلب بالاوراق حتى ان المراجع يكاد ان يفقد صبره واحياناً كثيرة يفقد احدهم اعصابه ويصرخ
- ارجوك اكملي الاوراق واتركي الحديث
ويحدث بعض من تجاذبات الحديث التي تصل احياناً الى حدة في الصوت . كنت اعاني بشكل كبير من هذه الحركات الا انني اكبح جماح اعصابي واسكت حتى تنتهي . اكملت هيام تدقيق تلك الاوراق فأخذتها لاعداد صك فيها . وعند الموظفة نهلة التي تعد الصكوك وقفت لاعداد الصك .
- صباح الخير نهلة
- صباح الخير
- اخبارك
- أي اخبار هذا عمري كاد ان يتعدى الثلاثين ولا زلت بانتظار قطار العمر
- الله كريم سيأتي يوم وتتزوجين ويكون كل هذا من الحكايات القديمة
- الله يسمع منك
- ساعود اليك بعد نصف ساعة لحين اكمال اعداد الصك
- انشاء الله
تركتها لاعود ثانية الى القسم . الاحداث التي تدور في البلاد من التفجيرات والاختلافات ومحاربة العنف ومحاربة الطائفية هو الحديث الذي يدور بين اروقة الادارة وفي القسم . الكل يتابع ما يدور بشكل دقيق . الكل يتمنى لهذا البلد ان يعود فيه الامان والمحبة والالفة والسلام لنعيش امنين مطمئنين . قال عصام بعد ان جلس خلف مكتبه
- اتعرفون اخوان ان الارهاب يبتكر اشياء جديدة لم تخطر ببال
قلت له
- كيف ؟
قال
- تصور ياطارق ان احدهم كان يتردد على احد الافران ويأخذ كمية كبيرة من الصمون حتى صار عميل لهم وبالامس اشترى الصمون واخذه ليضعه في سيارته وقال لصاحب الفرن سأعود بعد ان اشتري بعض الاشياء وما ان ذهب حتى انفجرت السيارة كانت مفخخة
- كلاب . ماذا يريدون من ذلك ايقتل الاسلام لينشر الاسلام . هذا والله حرام
تتخلل هذه الاحاديث اكواب الشاي . في الساعة العاشرة حيث مضى الوقت وهو وقت الذروة .تزداد الحركة ويمتلأ الممر بالمراجعين والموظفين بين داخل وخارج واخر يسلم على احد الموظفين واخر يتجاذب الحديث مع زميله .لغط واصوات تتعالى ورائحة القهوة والشاي تفوح بشكل واضح .ورائحة الطعام . هممت في خطاي للوصول الى نهلة لاتأكد من اعداد الصك وهناك كانت سيدة تجلس بقربها وهن يتحدثن
- هلو نهلة اكملت اعداد الصك
- نعم
ابتسمت وقلت لها
- يوم زواجك
- شكراً لك
انتبهت السيدة الكبيرة التي كانت تجلس قرب نهلة
- انت لم تتزوجي بعد
- نعم
- هذا حسن المراد . اريدك لابني
وقفت متسمراً .وقد ادهشتني هذه المرأة . لم اتوقع ان هذه الكلمة ستكون سبب لزواج احدى الموظفات . نظرت الى نهلة التي كانت مستغربة ومتفاجأة بوقت واحد . حتى انها احست ان هذا مزاح . الا انني لاحظت جدية حديث هذه المرأة التي بدأت تسألها عن مكان منزلها ودراستها وعمرها واشياء كثيرة تشير الى ان هذه السيدة تريد حقاً زواجها من ابنها . لم اكن وحدي الذي تفاجأ بهذا بل منتسبي قسم الحسابات وخاصة الموظفات تركن اعمالهن وراحن يصغن الى هذا الحديث . وما هي الا ايام حتى دخلت علينا نهلة وهي تضع في اصبعها اليمين خاتم الخطوبة . ضج الممر بالصياح وخرجن الموظفات يباركن لنهلة خطوبتها وهن ينظرن لي نظرة اعجاب فقد كنت السبب في زواجها .
