(( القوارير ))
ظل اخي صامتاً ولم يدلي بدلوه في مسألة زواج ابنتي من احد أقربائنا سجاد . الا ان زوجته قالت
- هذه امانة وانت جئت تأخذ رأينا . لهم طبيعة تختلف . حياتهم كما كانت حيث كانوا يسكنون في احدى المحافظات الجنوبية
- ما هي طبيعة حياتهم
- يتعاملون بقسوة شديدة مع أي امرأة تعيش معهم . يضربونها . تعيش جائعة . ملابسها تبقى رثة ولا احد يهتم بلبسها . انا ابنة عمتهم أي ان ابوهم خالي . عشت معهم من صغري . كنت قريبة لهم . والآن اقول رأي بكل صراحة حياتهم تختلف ستواجه ابنتك مصاعب جمة اذا ما قررت زواجها من سجاد
طلبت منهم مرافقتي الى حيث يسكنون في قرية داخل بغداد . وصلنا القرية . ارض كبيرة مساحتها عشرة دونمات .شيدت عليها بيوت من الصفيح .سبعة بيوت لسبعة اخوة مع بيت كبير لامهم . كل اخ له عائلة وبعض من اولادهم متزوجين ولهم اطفال .رائحة شواء السمك تفوح
. هنالك اغنام وبقر في هذه الارض الواسعة . كان الترحاب بنا مميزاً . وقد عشت في طقوس جنوبية . حتى ان اغلب طبخهم يتم بالحطب والخبز ايضاً . جرى حديث طويل . ارى انهم يحاولون قدر الامكان نقل صورة غير صحيحة عن حياتهم . وكنت انظر زوجة اخي . ملامحها تشير الى ان حديثهم غير مطابق لواقع حياتهم . منذ صغري وانا احلم ان اعيش وسط بستان كبير . ارض واسعة تمتد الى مرمى البصر . اتنقل فيها استمتع بمنظر الاشجار المثمرة . اسقي الارض . اتابع الزرع . اجلس طويلاً متأملاً الارض الخضراء . ربما ابنتي تحب ان تعيش في هذه الحياة . ربما تكون حياتهم ليس كما نظن . لم ادقق جيداً . لم اسأل أي من النسوة المتواجدات واللواتي ظهرن لي بالضبط كما وصفتهن زوجة اخي . ملابس رثة . عدم اهتمام . تعب وجوع ظاهر على ملامحهن . الاطفال لا احد منهم يرتدي ملابس تغطي كل جسده . اكثرهم لا يلبسون سوى السروال . البراز في كل مكان . رؤوسهم شعثة . ووجوهم متربة مغبرة . كأن هذه الارض لايصلها الماء . تغاضيت الطرف وتركت امر تقرير المصير لابنتي . سوف اشرحلها واقع الحياة وهي التي تقرر . وصلت الى بيتي ليلاً . كانت زوجتي تنتظر نتائج هذه الزيارة . وكانت ابنتي ايضاً تنتظر . كنت انظر لابنتي تتمنى ان تتزوج كأي فتاة حلمها الزواج . شرحت لهم ما رأيت . انتظرت رأيهم . رن الهاتف
- نعم
- انا ابوسجاد .سوف نحضر هذه الخميس لخطبتك ابنتك
- اهلا وسهلاً
احست زوجتي بهاجس ما . كانت خائفة من هذه السرعة في اتمام الخطوبة . ابنتي لم تتكلم . ظلت خجلة . الا انني احسست في داخل نفسي
ان رأيها يعتمد على رأيي كون انهم اقربائي . يوم الخميس كان يوماً مميزاً . انهم يجيدون واجبات الزيارة . كان معهم سجاد ما زال صغيراً . وعندما شرعوا بالحديث عن سبب مجيئهم وانهم جاؤا لخطبة ابنتي . استئذنتهم لاخذ رأي ابنتي . طلبت رأيها الا انها لم تتكلم .فعرفت ان السكوت في هذه الحالة من علامات الرضا . اكملنا مراسيم الخطوبة وسط الزغاريد والضحك . وما هي الا فترة اسبوعين حتى تفاجئت بالهاتف يرن ليخبروني ان موعد الزفاف سيكون الجمعة . لم تتهيأ ابنتي .لم نكن مستعدين . الا اننا استطعنا بجهد جهيد وبمحاولات من هنا وهناك وبالرغم من انني اشكو ضائقة مادية الا انني تصرفت في تجهيز المبلغ . بعد ان طلبت منهم مساعدتي في ذلك . الا انهم رفضوا تقديم أي مبلغ عرفت من خلال ذلك ان البخل جزء من حياتهم . انفعلت زوجتي وغضبت وقالت
- لم يخبروني عن موعد الزفاف في وقت نستطيع فيه التهيأ
- لاباس يازوجتي . سننجز ذلك انشاء الله
كانت ليلة الحناء مميزة . جعلتها مميزة . وفرت فيها كل اسباب نجاحها وقد ظهرت ابنتي اية من الجمال . صور وتسجيلات (فيديو) وحلوى وعصير ومرح وفرح . وفي يوم الزفاف كانت النسوة يملأن البيت والزغاريد تصل الى نهاية الزقاق . راحت ابنتي تزفها الزغاريد وتقودها نسوة موشحات بالسواد .بالرغم من مظاهر الفرح الظاهرة والمركبات العامرة بالزينة وصوت الزغاريد . الا انني لم اشعر بهذا الفرح وكأنني رميت ابنتي في بئر لاقرار له . بكيت بصوت عال وانا انظر اليها . نظرت اليهم عند انطلاق المركبات . عندما دخلت البيت وجدت زوجتي تبكي .بكيت معها . الوحشة تملأ البيت . تركت فراغاً كبيراً بيننا . كانت تملأ البيت ضحكاً ومرحاً . كانت تساعد امها في المنزل وتعد الطعام لنا كانت جزء من هذا البيت . قلت لزوجتي وانا امسح دموعي
- هذا هو حال البنات طريقهن الزواج
- لكنها تركت فراغاً كبيراً . اشعر بالوحشة والحزن لفراقها
- لا عليك ستنسين . ستعودين كما كنتي سابقاً
شعوري بزواج ابنتي كان بمثابة تأدية واجب ابوي . على الاب ان يزوج بناته . في صباح اليوم الثاني من الزواج اخبروني بأن ابنتي تبكي كنت اظن بسبب الفراق . الا انني عندما خابرت ابنتي اكتشفت ان زوجها ضربها ضرباً مبرحاً في ليلة زفافها . كانت تكلمني وهي تبكي . لااعرف ماذا افعل ؟ . بناتي عزيزات . ولا اقبل لاحد ان يضربهن . هل ستكون كيان بلا وجود . هل تعيش بينهم ممسوخة بلا شخصية ؟. هل تعيش لخدمة هذا العدد الكبير . تخبو احلامها . تترك طموحاتها . غضبت زوجتي وهاجت
- بضربون ابنتك وانت ساكت
- كان سوء تفاهم سيزول انشاء الله
في اليوم الثاني . خابرتني ابنتي واكدت بانها تعرضت للضرب المبرح دون أي سبب
- تحملي يا ابنتي . حاولي ان ترضي زوجك . اطيعيه فهو زوجك
- ابي انه لا يعرف معنى الزواج . مجرد انهم قالو له كن رجلاً ولا تفسح المجال لزوجتك بالسيطرة عليك . لايعرف سوى الضرب والكل يصرخ لا تتكلمين . انه زوجك . من حقه ان يضربك . اقول لهم لماذا يضربني . لم افعل شيئاً . اسكتي لاتتكلمين
دمعت عيناي . امتلأ قلبي حزناً
- سنتابع الموضوع واذا استمر على هذا المنوال اخبريني
في اليوم الثالث تعرضت للضرب مرتين في اقل من ساعة . مرة لانه كان بتناول الطعام وفرغ قدح الماء فضربها بالقدح الزجاجي على راسها والمرة الثانية ضربها بقدر مليء بالماء سقط على بطنها . تمتدت على فراشي وانا اتابع حياة ابنتي . سالتها عن مجريات حياتها قالت
- استيقظ في الفجر . اجمع الحطب . واغسل الاغنام . واعد لهم طعام الفطور . انهم يتناولون السمك صباحاً واظل ادور الى ان يأتي الليل لاجد زوج صغير لايعرف سوى الضرب . انه لايعمل . في الصباح الى ان يأتي وقت تناول الطعام في اللعب بكرة القدم وفي العصر مع الطيور
- ما هذا انه معسكر للتعذيب
- هذا ما احسه يا ابي . انك لو ترى وجه النسوة اللا تي معي . وجوهن مشوهة بسبب المعاملة القاسية والضرب
- اظاهر انني تصرعت يا ابنتي وزوجتك .
- لم تكن انت الملام وحدك .فانا ايضا لم اقول راي ولم اتفحص وادقق في مسالة الزواج
بعد ايام قلائل اخبرني ابو سجاد بان ابنتي دائمة البكاء ليلاً ونهاراً . قد حاولوا هناك اسكاتها الا انهم لم يفلحوا . تخيلت ابنتي مجرد دابة من دوابهم بلا شخصية ولا رأي . تدور كما يدور البقر . وتخيلتها في بئر اسود لا قرار له . الحزن ملأ كياني . والخوف من هذا المصير المؤلم جعلني لم انم . تشاورت مع ابنتي فوجدت ان الحل الوحيد جلبها وعفا الله عن ماسلف , وهكذا فأني ذهبت وبعد صياح وكذب وافتراء طلبت من ابنتي ان تأ تي معي . جاءت الى البيت واستقبلتها امها بالدموع وبكت هي على حضن امها , وظلت تشكو حالها وتحكي حكايات تؤلم الحجر انهم بخلاء . عمتها تكرهها وتمنعها من تناول الطعام معهم . يحرمونها من الاكل . طعامهم قليل ولا يسد الرمق . احست ابنتي بالدوران وعندما ذهبنا الى احدى الطبيبات قالت ان ابنتكم حامل . هذه مشكلة جديدة . اخبرتهم بالحال بالحمل . الا انهم لم يسالوا عنها ولم يحضروا لتفقدها طيلة فترة الحمل . وتكلفت بمصاريف ولادتها وقد انجبت طفلاً جميلاً .اخبرتهم بذلك . وفرحوا وجاؤا لااعادتها . ودار حديث طويل وصراخ وبكاء من قبل ابنتي . قلت لابنتي
- صار لديكم طفل جميل سيملأ حياتكم . ربما سيكون هذا الطفل فاتحة خير وتتغير معاملتهم لك
- هذه هي طبيعتهم .ضرب المرأة اهانتها . جزء من حياتهم
- سنجرب يا ابنتي عسى ان تكون خيراً
عادت ابنتي وانا ادعوا لها ان تسير ايامها بهناء . وفي ظهيرة يوم الجمعة خابرني ابو سجاد
- تعال الى هنا فانا مريض ولا استطيع ان اصل اليك
- مالخبر ؟
- عندما تاتي ستعرف
وصلت تعباً . . وما ان جلست وشربت الشاي حتى اخبرني بأن ابنتي لاتستطيع مواصلة الحياة معهم .وحدثني عن اسباب كلها كاذبة . ذهبت لابنتي وهي تحمل ابنها على كتفها . قلت
- هل فعلت شيئاً اغضبهم
- لا والله يا ابي . انا مع ابني فقط
- اذن مالسبب
بعد ان سمعت حديثاً مزعجاً جداً . يتعلق بالطفل . يجب ان يبقى معهم . قلت لابنتي وانا اعرف ان ليس هنالك ام ممكن ان تترك ابنها الا انني اردت ان اعرف مشاعرها
- هل تستطيعين ترك ابنك
- نعم استطيع . انه يذكرني بهذه الحياة القاسية
مع اذان الظهر وصوت المؤذن وهو يقول
- الله اكبر . الله اكبر
اعطت ابنتي ابنها لعمتها وواصلت معي شق الطريق الوعر والالم يعصر قلوبنا . ونحن نودع اناس لايعرفون كيف يحترمون المرأة .قلوب من حجر .
