(( وجوه بلون الارض ))
قصة قصيرة: يوسف عبود جويعد
الساعة العاشرة . شمس حارقة . العرق يتصبب من جبيني بغزارة . وصلت ساحة هي مفترق طرق لثمانية شوارع . اربعة اياب واربعة ذهاب . باعة الشرابت والماء البارد على جوانب الطرق . بعد ان صعدت في احدى المركبات ( الكيا) . جلست على مقعد قريب من النافذة . فتحت النافذة من شدة الحر . سائق المركبة ينادي
- ساحة . ساحة
كنت انتظر ان تمتلأ المركبة بالركاب لكي تسير . االوقت مهم . الا ان هدر الوقت في هذا البلد بشكل ملفت للنظر . كل شيء ضياع للوقت . هذا الانتظار . الازدحام في الشوارع . سيطرات التفتيش . وفجأة وانا انظر متأملاً حركة الحياة . ثلاثة من موظفي امانة العاصمة قطعوا احد الطرق بدون سابق انذار. براميل فارغة واخشاب ومقاعد قديمة سدوا بها فتحة الشارع . حصل ارتباك شديد في الساحة . توافدت السيارات قاصدة الشارع المغلق اضطروا للبقاء في الساحة . حدث اختناق مروري لايوصف . انفعال وصراخ
- نقوم بتبليط الشارع
- وهل يعقل هذا؟ تبليط في الصباح
اصوات المنبهات لمركبات كثيرة . ضجيج ملأ المكان . وبسبب الحر الشديد . وأضطرار الناس للتخلص من هذا الازدحام المخيف الذي حصل في الساحة . لازلت انتظر ولا زالت المركبة تنتظر الركاب . الامر الذي دفعني لمعرفة ماذا سوف يحدث بعد هذه الفوضى . ترجل احد السواق وقام بدفع البراميل والاخشاب ليفتح الطريق .هرولوا نحوه موظفي امانة العاصمة . حصل اشتباك بالايدي ومعركة كبيرة . ترجل بقية السواق تاركين مراكبهم وسط الساحة ليفكوا هذا الااشتباك الذي تطور بشكل ملفت للنظر . مركز الشرطة قريب من هذا الاشتباك . هرول احد افراد الشرطة ببندقيته ورمى اطلاقات نارية فى الهواء . الا ان لا احد يبالي . دخل الشرطي وسط الاشتباك محاولاً ايقافهم الا ان احدهم وهو منفعل اخذ البندقية وصوب نحو السائق فارداه قتيلاً. هرول الناس من كل صوب لمشاهدة هذه المعركة . صاح احدهم
- مات محمود . اذهبوا لاهله
امتلأت المركبة بالركاب . تحركت تاركة مايحدث . المركبات وسط الساحة فاقت حدود التصور . والناس بحلقة كبيرة ينظرون الى السائق الملقي وسط الشارع جثة هامدة . استطاع السائق قيادة المركبة عكس السير تاركاً الساحة خلفه . اشرت فتاة تدفع عربة عليها ابنها معوق . وقفت المركبة . كانت تريد المساعدة للركوب . نزلت وحملت الطفل وادخلته داخل المركبة ووضعت العربة فوق المركبة . كانت تبحث عن مركز للتأهيل الصحي . كنت اعرف مكانه فاخبرتها . الوقت يمر . توقفت المركبة قرب سيطرة تفتيش . ازدحام. حر شديد . خانق . هواء يلفح الوجوه كأنه خارج من تنور ملتهب . التفتيش بطيء . نظرت الى الناس . تذمر . انفعال . وصلت الى احد مراكز استلام بطاقة الناخب . ساحة مدرسة مليئة بالنفايات والاوراق والكتب القديمة مبعثرة في كل الزوايا . الارض ترابية في ساحة هذه المدرسة . ليس هنالك مكان نظيف يمكن ان نجلس فيه . الناس بالمئات يحملون اوراقهم .موظف واحد . قائمة بمائة اسم على حاسبة واحدة . وقائمة بمائة اسم في جيبه , وطلب منا كتابة اسماء بمائة اسم ايضاً
- اخوان في الحاسبة مجموعة . ننتظر اكمالها بساعة بساعتين بستة ساعات لا اعرف وبعد تسليمها اقوم باستلام اوراق القائمة التي في جيبي .
هذا يعني انتظار طويل . وسط هذه الشمس الحارقة . عجوز عمرها على ما اظن تجاوز الثمانين عاماً تفترش الارض المتربة وتلفح وجهها حرارة الشمس الحارقة . نساء كثيرات من كل الاعمار . رجال شباب شيوخ . كأنها غابة من البشر . استعرضت حال البلاد وانا اتوسط هؤلاء الناس . انفجارات . خلافات بين المسؤولين يكون الضحية فيها الشعب . محاولات لدرء الفتنة . وخبث لاشعال الفتنة . فقراء . متعبون . يعانون صعوبة الحياة وهم يستلمون هذه البطاقات . يتأملون خيراً . خرج الموظف يحمل رزمة كبيرة من البطاقات . اصوات . نعم . نعم . استقامت الشمس لتشتد حرارتها فتحرق الرؤوس . ونحن ننتظر . قال احد الشيوخ وهويستند على عكازته .
- متى نرتاح . عندما نموت
دمعت عيناي وانا انظر لهؤلاء . الطين لايزال يغطي وجوههم . وهي بلون الارض . والجوع تارك اثاره على كل مسامة من مسامات اجسادهم المتعبة. لاماء بارد . لا اقداح من الشاي . لا فيء يستظلون به . قالت امرأة طاعنة في السن
- هل يشعرون بنا . هل يجازوننا .
شيخ كبير اخر
- نتأمل خيراً
بدأ رأسي يؤلمني من شدة الحر . احاول ان اتوقى حرارة الشمس . لا مفر . مضت ساعات طوال وانا انتظر مع هذه النخبة الطيبة من الناس . استلمت بطاقات العائلة. وصلت البيت ظهراً. وكالمعتاد انقطاع التيار الكهربائي . ارتديت ملابس خفيفة . جاءت زوجتي بوجبة الغذاء باذنجان ( وحش الطاوة ) . كان المذياع يذيع اغنية قديمة لرضا علي بعنوان ( تعالي يا حنينة تعالي . شمسنا وانت فينا ) اكلت الباذنجان وهوحار . الاغنية حنينة تذكرني بايام زمان . العرق يتصبب مني . لا اعرف ماذا حدث داخل نفسي . احسست بالحزن . ازداد اكثر .اجهشت بالبكاء بصوت عال جاءت زوجتي لتستعلم الامر
- ابو محمد لماذا تبكي ؟
- لا ادري . احس بانني اريد ان ابكي . اشياء كثيرة تبكينا ياعزيزتي
- اسكت ارجوك
