(( الدائرة ))
قصة قصيرة
يوسف عيود جويعد
حدث ذلك قبل ان تتزوج ابنتي بأسبوعين . كان علي ان اقوم بتغيير هوية الاحوال المدنية (الجنسية ) لابنتي من جنسيتها وهي طفلة الى اخرى ( ام الفسفورة ) لنتمكن من انجاز معاملة عقد الزواج . كانت ترافقني كظلي اينما ذهبت . وصلنا دائرة الاحوال المدنية . نظرت الى ابنتي التي تفاجأت بهذا الحشد الكبير من الناس وقالت
- هؤلاءجميعهم يريدون اصدار هوية الاحوال
- نعم
- وكيف نستطيع انجاز مهمتنا
- لا عليك سننجز المهمة ان شاء الله
وقفت في صف طويل اخذ من الوقت زهاء الساعتين . بعدها تم ادخال المعالة حيز التنفيذ .صعدنا الى الطابق الثالث على سلالم ملتوية ووسط حشد كبير من الناس . دخلنا الى غرفة احد الموظفين . كان منفعل جداً بدا ذلك واضحاً من خلال نبرات صوته وهويصرخ على المراجعين
- ابتعدوا عن المكتب . اخرجوا خارج الغرفة . لا استطيع انجاز العمل
نهض من مكتبه وبدأ باخراج المراجعين . انا وابنتي معهم . حاولت ان اكلمه الاانه دفعني وهويقول
- (بعدين ) اخرج اولا
بعد ان خرجنا من الغرفة . اخذ المعاملة مني وقال
- أنتظر
انتظار اخر ووقت يمر . كانت ابنتي تنظر باندهاش فهي لم ترى من قبل هذا الحشد الكبير من الناس . ولم تراجع اية دائرة حكومية . نادى الموظف بأسم ابنتي فاسرعنا اليه ونحن نجتاز الحشد الكبير من الناس
- هذه المعاملة في الغرفة المقابلة
اخذت اوراقي وابنتي خلفي . احس بانها ترى بعيني وتفكر بعقلي . كنا نشق الصفوف الغفيرة بعناء ومشقة واضحة وكأننا نخوض في بحر متلاطم الامواج . كبر سني جعلني اشعر بالتعب . فانا اعرف جيداً وسط هذا الحشد الكبير من الناس يجب ان نتحرك بسرعة لنستطيع انجاز المعاملة . وصلنا الى الغرفة المقابلة . وجدنا احدى الموظفات بوجه اصفر . غاضبة .مكفهرة . بصمت مطبق . حتى انني ظننت انها لم تجبني اذا سأ لتها .
- هذه المعاملة لك
اشارت بيدها حيث اضعها . وضعت المعاملة فوق عدد كبير من الاضابير . فاخذتها ووضعتها تحت الاضابير لتاخذ دورها . اجراء صحيح لا اعتراض عليه . ولكن متى ستنجز كل هذه الاضابير . كنا نراقب انا وابنتي كل من تنادي باسمه ونتابعه وهوينجز المعاملة وننظر الى الاضابير وهي تسحب واحدة تلو االاخرى . وننظر الى اضبارتنا التي بدأت تقترب . مر الوقت وما ان حان دورنا حتى نادت باسم ابنتي
- مريم
اخرجت سجل كبير وراحت تفتش عن الصفحة الخاصة باسرتي . وما ان وجدتها حتى قالت
- ما هذا معلومات مريم تشير الى انها من مواليد تسعة وثمانون والهوية القديمة تشير الى ان مواليدها تسعة وتسعون هناك خطأ عليك ان تذهب الى وزارة الصحة وتجلب لي كتاب مرفق معه بيا ن الولادة لنتأكد .
وهكذا خرجنا من الدائرة متعبين دون نتيجة . ذهبنا انا وابنتي الى المركزالصحي . كان اما م شباك موظف الصحة عدد قليل من المراجعين . اخذ الكتاب الرسمي من يدي وراح يفتش في السجلات واحد اً تلو الاخر فلم يجد اسم ابنتي
- لم اجد اسم ابنتك
- مالسبب
- على ما اظن ان القابلة لم تؤشر بيان الولادة لدينا والدليل ان الرقم الذي يلي الرقم الخاص بولادة ابنتك موجود ساكتب اعتذار
- لاتكتب
شرحت لزوج ابنتي واهله الحالة . فطلبوا ان يتمموا الزواج ثم نقوم مرة ثانية باصدارهوية الاحوال المدنية . وهكذا اتممنا مراسيم الزفاف وتزوجت ابنتي . ظل همي ان اجد حلاً لهذه المعضلة . بحثت عن القا بلة التي قامت بتوليد زوجتي فعرفت انها رحلت من هذه المنطقة الى منطقة مجهولة . ازدادت المشكلة تعقيدا ً . وبحكم معرفتي بالادارة فان صعوبة اصدار الهوية لازالت قائمة . ومرت الايام . عرفت ان ابنتي حامل . وقد اخبروني اهل زوج ابنتي بانه يجب اصدار ( جنسية ) لكي يضمنوا حق ابنتي ومولودها . ولهم الحق في ذلك . طلبت منهم ان تزورني ابنتي لكي نحاول مرة اخرى . خرجنا انا وابنتي وهي تدعو الله
- يارب يسرها علينا بجاه حبيبك محمد صلى الله عليه واله وسلم
دخلنا الى ذات الغرفة الا اننا لم نجد الموظفة ذاتها بل وجدنا موظفة . بدينة موشحة بالسواد . اخذت المعاملة وفتشت بالسجل وقالت
- هنالك تلاعب في السجل وان مواليدها غير واضحة هل هي تسعة وثمانون ام تسعة وتسعون يجب ان تذهب الى المركز الصحي لجلب بيان الولادة احضر لي اوراق
فلت لها
- لن اذهب لاي مكان . التلاعب بسبب الموظفين الذين لايخافون الله . ساذهب الى المدير واشكو له حالي فقد تعبت
لازالت ابنتي صامتة . ولا زالت ترافقني كظلي . وقد رأيت ان عيناها قد اغرورقتا بالدموع . وان اليأس قد انتابها وقالت
- لااظن يا ابي اننا سوف نحصل على الهوية . فنحن نسبح وسط الاخطاء . لا احد يسمعنا .
حاولت ان اثبت لابنتي بانني احس بها وعلي ان ابذل المزيد من الجهد . ذهبت الى مدير الدائرة وشرحت له التلاعب الحاصل في السجل وهو الامانة التي يجب ان يحملوها بكل شرف . وبدوره ارسل في طلب الموظفة المسؤولة والتي اخلت مسؤولتها . فطلب مني المدير البحث في الاوليات عن المسؤول ووجدنا المسؤول عن التلاعب وطلب المدير تصحيح الخطأ . وبلباقة وبخبث اخرجني الموظف من غرفة المدير وهويقول
- لاعليك ساحلها . سأعطيك كتاب الى المركز الصحي لجلب بيان الولادة
عدنا من حيث اتينا نجر اذيال الخييبة . تذكرت احد الاصدقاء وطرفته عندما قال
- اتعرف لماذا سميت الاماكن الحكومية بالدائرة
- لماذا ؟
- لان المواطن يظل يدور فيها في حلقة مفرغة وكل ما توقف يقولون له (تعال باجر )
